محمد الغزالي

243

فقه السيرة ( الغزالي )

« للذي عرض عليّ أصحابك من أخذهم الفداء ، قد عرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة » - لشجرة قريبة - . وأنزل اللّه تعالى : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 67 ) لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 68 ) [ الأنفال ] « 1 » . إن الوقوع في الأسر لا يعني صدور عفو عام عن الجرائم التي اقترفها الأسرى أيّام حريتهم ، وهؤلاء الطغمة من كبراء مكة لهم ماض شنيع في إيذاء اللّه ورسوله ، وقد أبطرتهم منازلهم ، فساقوا عامة أهل مكة إلى حرب ما كان لها من داع ، فكيف يتركون بعد أن استمكنت الأيدي من خناقهم ؟ . أذلك لأنّ لهم ثروة يفتدون بها ؟ ما كان يليق أن ينظر المؤمنون إلى هذه الأعراض التافهة متناسين ما فرط من أولئك الكفّار في جنب اللّه . إنهم مجرمو حرب - بالاصطلاح الحديث - لا أسرى حرب ، وقد ندّد القران بخيانتهم لقومهم بعد كفرهم بنعمة اللّه عليهم فقال : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ ( 28 ) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ ( 29 ) [ إبراهيم ] . وهناك نصوص توصي برعاية الأسرى وإطعامهم ، وتشرع القوانين الرحيمة في معاملتهم ، وهذا ينطبق على جماهير الأسرى من الأتباع والعامة . أمّا الذين تاجروا بالحروب لإشباع مطامعهم الخاصة ، فيجب استئصال شأفتهم ، وذلك هو الإثخان في الأرض . إنّ الحياة كما تتقدّم بالرجال الأخيار ، فإنّها تتأخر بالعناصر الخبيثة ؛ وإذا كان من حقّ الشجرة لكي تنمو أن تقلّم ؛ فمن حقّ الحياة لكي تصلح أن تنقّى من السفهاء والعتاة والاثمين . ولن يقوم عوض أبدا عن هذا الحق ، ولو كان القناطير المقنطرة من الذهب ، وقد أسمع اللّه نبيه صلى اللّه عليه وسلم وصحابته هذا الدرس ، حتى إذا وعوه وتدبّروه عفا عنهم ، ثم أباح لهم - من رحمته بهم - الانتفاع بما أخذوا من فداء فقال :

--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه مسلم : 5 / 156 - 157 ؛ وأحمد ، رقم ( 208 ، 221 ) ؛ والبيهقي : 9 / 67 - 68 ، من حديث عمر رضي اللّه عنه .